عمر فروخ

516

تاريخ الأدب العربي

حديد شبا المنقار داج كأنّه * شبا قلم من فضّة مدّ في حبر « 1 » . توسّد من فرع الأراك أريكة * ومال على طيّ الجناح من النّحر « 2 » . ولمّا رأى دمعي مراقا أرابه * بكائي فاستولى على الغصن النّضر « 3 » ، وحثّ جناحيه وصفّق طائرا * وطار بقلبي حيث طار ولا أدري ! « 4 » وقال يفتخر بشعره ويعرّض بابن زيدون ويقول في ذلك إنّ قيمة شعره إنّما هي في معانيه وإنّه لا يحسّن معانيه بتفخيم إنشاد الأبيات وترديدها : تذكّرت قولي للقوافي « 5 » فلم تزل * تساعدني عفوا ولم تتعذّر . فدونك عذراء المعاني ابتدعتها * عوان القوافي خيرة المتخيّر « 6 » ؛ إذا ما الرواة استنشدتها تبرقعت * لها أوجه من حشمة وتغيّر « 7 » . وينكل عنها شاعر المصر كلّه * ألا فاضحكن من شاعر المصر وافخر ! « 8 » ولست بكاسيها مدى الدهر حلّة * بنغمة إنشاد ولا بمكرّر . - وكان مرة في قرطبة فذكر إشبيلية ( وكان يقال لها حمص تشبيها لها بحمص الشام ) :

--> ( 1 ) حديد : حادّ ، ماض ، قاطع . الشبا جمع شباة : حدّ السيف . داج : أسود . ( 2 ) توسّد : نام ( هنا : جثم - وضع بطنه على الغصن ) . الفرع : الغصن . الأراك : شجر تصنع منه المساويك له ثم أحمر يؤكل . أريكة : صفّة ، مقعد وثير ( مريح ) . ومال بعنقه إلى جانبه ( نام ) . ( 3 ) مراق : مسكوب ، سائل . أرابه - رابه : أقلقه وأزعجه . استولى : امتلك ، استوى ( نهض من مجثمه ) . النضر والناضر : الأخضر الطريّ . ( 4 ) حثّ جناحيه : والى تحريكهما . ( 5 ) قول القوافي : نظم الشعر . ( 6 ) عذراء المعاني : ذات معان جديدة مبتكرة . عون القوافي أو عوانها : مكرّرة القوافي ( لأنّ القوافي محدودة لا يستطيع الشاعر أن يبتكر شيئا منها غير الموجود في أحرف الهجاء ) . ولكنّها متخيّرة ( منتقاة : مختارة ) . ( 7 ) رواة الشعر والعلماء بالشعر يطلبون أن يسمعوا شعري . ولكنّ نفرا من الشعراء تتبرقع ( تتغطّى ) وجوههم بالحشمة ( بالحياء ، لأنّهم لا يستطيعون أن يقولوا مثله ) أو بالتغيّر ( بالاصفرار ، لأنّ شعري يعرّض بهم أو يعجّزهم عن قول مثله ) . ( 8 ) نكل عن الشيء : جبن وتراجع خوفا أو عجزا . المصر : البلد . شاعر المصر : الشاعر المعترف له رسميّا بأنه شاعر الدولة ( ابن زيدون ! ) سأضحك أنا عليه وأهزأ به ثمّ أفتخر بشعري .